القاضي ابن البراج

كلمة المقدم 9

المهذب

تبيانا لكل شئ " ( النحل - 89 ) . فلا شك أن المراد من لفظة " كل شئ " هو كل شئ أنيط بيانه إلى سفرائه وأنبيائه سبحانه من العلوم والمعارف ، والمناهج والتعاليم التي لا يصل الفكر الإنساني إلى الصحيح منها ، بلغ ما بلغ من الكمال فهذه الأمور تكفل الكتاب الكريم ببيانها وذكر خصوصياتها ، وأما العلوم التي يصل إليها البشر بفكره ، كالفنون المعمارية ، والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزياوية والكيماوية ، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب ، وليس بيانها من مهامه ووظائفه . نعم ربما يحتمل أن يكون للآية معنى أوسع ، حتى يكون القرآن الكريم قابلا لتبيان تلك المعارف والعلوم ، غير أن هذا الاحتمال - على فرض صحته - لا يصحح أن يكون ( القرآن الكريم ) مصدرا لهذه المعارف ، حتى يرجع إليه كافة العلماء والاختصاصيون في هذه العلوم ، وإنما يتيسر استخراج هذه العلوم والمعارف لمن له مقدرة علمية إلهية غيبية ، حتى يتسنى له استخراج هذه الحقائق والمعارف من بطون الآيات وإشاراتها ، وهو ينحصر في جماعة قليلة . وأما مكانة السنة فيكفي فيها قوله سبحانه : " وما ينطق عن الهوى " ( النجم - 3 ) وقوله سبحانه : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ( الحشر - ، 7 ) وغير ذلك من الآيات التي تنص على لزوم اقتفاء أثر النبي ، وتصرح بوجوب اتباعه ، وعدم مخالفته ومعصيته . وعلى ذلك تكون الشريعة الإسلامية شريعة كاملة الجوانب ، كاملة الجهات والأطراف ، قد بينت معارفها ، وأحكامها بكتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم ، فلم يبق مجال للرجوع إلى غير الوحي الإلهي وإلى غير ما صدر عن النبي الكريم . وهذه الحقيقة التي تكشف عنها الآية - بوضوح - وأن الدين اكتمل في حياة النبي